الكيان الصهيوني والسلاح النووي
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار تقدمت به مصر يطالب الكيان الصهيوني بالانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. فهل سيمتثل الكيان الصهيوني؟ ألا يمتلك الكيان العدواني العنصري اكثر من مائتي رأس نووي؟
لماذا تلاحق واشنطن والغرب ايران بشأن برنامجها النووي ويغمضون العيون عن السلاح الصهيوني النووي؟ لماذا يتابع الغرب واميركا سوريا ويثيرون الشكوك حول امتلاكها نيات لبرنامج سلاح نووي - نيات فقط - ويغضون الطرف عن الخطر النووي الصهيوني القائم؟
لو قدم مشروع القرار امام مجلس الأمن لسقط بالفيتو الأميركي كما سقط مشروع قرار بوقف الاستيطان الصهيوني في الضفة والقدس - مع ان القانون الدولي يمنع الطرف المحتل من اجراء أي تغيير ديمغرافي في المناطق التي يتم احتلالها؟ الا تهدد اسرائيل بالقيام بضربة عسكرية للمشروع النووي الايراني الذي تؤكد ايران انه برنامج سلمي؟ الا يحظى الكيان العنصري الصهيوني بدعم غربي عام واميركي خاص بشأن عزمه ضرب المنشآت النووية الأميركية؟
من يرغم الكيان الصهيوني على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي؟ ان العالم كله يعرف تمام المعرفة ان الكيان الصهيوني هو الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين بامتلاكه مشروعا نوويا مخصصا للأغراض العسكرية وقد برهن العالم عن هذا الفهم بالموافقة على مشروع القرار الذي تقدمت به مصر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإرغام الكيان الصهيوني على التوقيع على المعاهدة التي تحرم انتاج السلاح النووي.
عليه ليس مهما اليوم صدور مثل هذا القرار، المهم ان يلتزم المحتلون الصهاينة بما صدر من قرار ولكن تاريخ الكيان هذا مملوء بتجاهل القرارات الدولية وازدرائها بدءا من قرار حق العودة (194) وليس انتهاء بقرار المحكمة الدولية ببطلان (الجدار العازل) وهو الجدار العنصري المقام على الاراضي الفلسطينية المحتلة في حرب يونيو 1967.
لقد نجا الكيان العدواني مرارا من العقاب بفضل الموقف الأميركي الذي يحميه ويحمي مجازره وجرائمه بحق العرب عموما والشعب الفلسطيني خصوصا.
اذا علينا الا نتوقع استجابة صهيونية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لأن الكيان الغاصب محمي من اميركا ومن الغرب ولأنه يجوز له ما يجوز لسواه خاصة ان كان سواه من العرب والمسلمين. وعلى العرب ان يتهيئوا لغد يهدد فيه هذا الكيان الغاصب الوجود القومي كله - فليس من كان من العرب بعيدا جغرافيا عن فلسطين بمنجاة من العدوان الصهيوني والتاريخ شاهد.. من تونس إلى السودان ومن سوريا الى العراق وعبر هذا كله مصر ولبنان.
نواف أبو الهيجاء*
كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
لماذا تلاحق واشنطن والغرب ايران بشأن برنامجها النووي ويغمضون العيون عن السلاح الصهيوني النووي؟ لماذا يتابع الغرب واميركا سوريا ويثيرون الشكوك حول امتلاكها نيات لبرنامج سلاح نووي - نيات فقط - ويغضون الطرف عن الخطر النووي الصهيوني القائم؟
لو قدم مشروع القرار امام مجلس الأمن لسقط بالفيتو الأميركي كما سقط مشروع قرار بوقف الاستيطان الصهيوني في الضفة والقدس - مع ان القانون الدولي يمنع الطرف المحتل من اجراء أي تغيير ديمغرافي في المناطق التي يتم احتلالها؟ الا تهدد اسرائيل بالقيام بضربة عسكرية للمشروع النووي الايراني الذي تؤكد ايران انه برنامج سلمي؟ الا يحظى الكيان العنصري الصهيوني بدعم غربي عام واميركي خاص بشأن عزمه ضرب المنشآت النووية الأميركية؟
من يرغم الكيان الصهيوني على التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي؟ ان العالم كله يعرف تمام المعرفة ان الكيان الصهيوني هو الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين بامتلاكه مشروعا نوويا مخصصا للأغراض العسكرية وقد برهن العالم عن هذا الفهم بالموافقة على مشروع القرار الذي تقدمت به مصر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإرغام الكيان الصهيوني على التوقيع على المعاهدة التي تحرم انتاج السلاح النووي.
عليه ليس مهما اليوم صدور مثل هذا القرار، المهم ان يلتزم المحتلون الصهاينة بما صدر من قرار ولكن تاريخ الكيان هذا مملوء بتجاهل القرارات الدولية وازدرائها بدءا من قرار حق العودة (194) وليس انتهاء بقرار المحكمة الدولية ببطلان (الجدار العازل) وهو الجدار العنصري المقام على الاراضي الفلسطينية المحتلة في حرب يونيو 1967.
لقد نجا الكيان العدواني مرارا من العقاب بفضل الموقف الأميركي الذي يحميه ويحمي مجازره وجرائمه بحق العرب عموما والشعب الفلسطيني خصوصا.
اذا علينا الا نتوقع استجابة صهيونية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لأن الكيان الغاصب محمي من اميركا ومن الغرب ولأنه يجوز له ما يجوز لسواه خاصة ان كان سواه من العرب والمسلمين. وعلى العرب ان يتهيئوا لغد يهدد فيه هذا الكيان الغاصب الوجود القومي كله - فليس من كان من العرب بعيدا جغرافيا عن فلسطين بمنجاة من العدوان الصهيوني والتاريخ شاهد.. من تونس إلى السودان ومن سوريا الى العراق وعبر هذا كله مصر ولبنان.
نواف أبو الهيجاء*
كاتب فلسطيني
nawafabulhaija@yahoo.com
.. وصَدَقَت "نبوءة" الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك إذ قال، ذات يوم، وكأنَّه يُحَذِّر الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش، من مغبَّة إفراطها في السعي إلى "الإصلاح السياسي والديمقراطي" في العالم العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، إنَّ العاقبة التي ستترتب حتمًا على شَحْن الانتخابات (البرلمانية) في مصر بالديمقراطية التي تريدها إدارة الرئيس بوش هي مَلْء صندوق الاقتراع بـ"الصوت الإسلامي"؛ فجماعة "الإخوان المسلمين" هي التي ستفوز، وتسيطر على "مجلس الشعب".
عهد مبارك إنَّما كان عهد "الصديق اللدود" للإسلاميين كافة، ولجماعة "الإخوان المسلمين" على وجه الخصوص؛ فهو حاربهم بما يَحُول بينهم وبين هيمنتهم على "مجلس الشعب" الذي أراد له دائمًا أنْ يكون خاضعًا للسيطرة شبه المُطْلَقَة لحزبه بطرائق ووسائل شتَّى، في مقدمها التزوير الانتخابي؛ وسعى، في الوقت نفسه، إلى تمكينهم من إظهار شيء من قوَّتهم الشعبية والسياسية والانتخابية؛ لكن بما يفي بغرضه هو، ألا وهو إلقاء الخوف والذُّعر في قلوب المناوئين للإسلاميين في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وفي داخل مصر، وبين أبناء الأقلية المسيحية (10 في المئة من المصريين) على وجه الخصوص، والذين يتطيَّرون من رؤية الإسلاميين يسيطرون على الحكم. إنَّه، أي عهد مبارك، بشيء من الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية مكَّن جماعة "الإخوان المسلمين" من أنْ تكون الأقلية الكبرى برلمانيًّا، وبكثيرٍ من التزوير مكَّن حزبه من إحكام سيطرته على "مجلس الشعب".
ولقد عَرَف عهد مبارك كيف يدير الحياة السياسية الحزبية المصرية، ويتحكَّم فيها، بما يجعلها أقرب إلى الموات السياسي منها إلى الحياة السياسية؛ فلمَّا انقضى وانتهى، بثورة الـ25 من يناير، ظَهَرَت الحياة السياسية المصرية بموازينها وقواها الحقيقية (الإسلاميون وفي مقدمهم جماعة "الإخوان المسلمين"، والمؤسَّسة العسكرية المصرية، وشباب الثورة الذين كانوا لها "الصَّاعِق"، لا يملكون من أهلية القيادة السياسية الحزبية إلاَّ نزرًا).
في مصر، سيَحْكمون، ومن طريق حكومة، تنبثق من برلمان، لهم في مقاعده حُصَّة الأسد؛ وقد يهبهم "المجلس العسكري" الحاكم (فعلًا) الآن، والذي سيظلُّ مُحْتَفِظًا للمؤسسة العسكرية بكثيرٍ من نفوذها السياسي حتى في "اليوم التالي"، مزيدًا من السلطة، من طريق نَقْلِه ("دستوريًّا") بعضًا من سلطات وصلاحيات رئيس الدولة إلى "الحكومة (الإسلامية) الجديدة".
وإنِّي لأشبِّه هذه التجربة (للإسلاميين في الحكم) بتجربة ابن القرية الذي جاء إلى المدينة ليعمل فيها ويعيش، مُحْتَفِظًا، في رأسه وقلبه وسلوكه، بمفاهيم وثقافة وشعور وعادات وتقاليد ابن القرية، فأدرك، في الصراع، وبالصراع، أنَّ ضرورات الحياة الجديدة في المدينة تُلْزِمه، وتَفْرِض عليه، أنْ يتغيَّر، فكرًا وشعورًا، بما يوافِق واقع حياته الجديدة؛ فإنَّ الحماقة بعينها أنْ يحاوِل تغيير هذا الواقع بما يوافِق موروثه الفكري والثقافي.
وأذْكُر رايس إذ جاءت إلى مصر (في عهد مبارك) محاضِرَةً في أصول الديمقراطية، فخاطبت الرؤساء العرب المذعورين قائلةً، أو موبِّخةً، إنَّ الولايات المتحدة لن تستمع إلى حُججكم، أو تقبلها، بعد اليوم. كُفُّوا عن تخويفنا مِنْ عواقب الإصلاح الديمقراطي الجذري. كُفُّوا عن محاولة إقناعنا بأنَّ هذا الإصلاح سيُسقط الحُكم في أيدي قوى إسلامية وقومية متشدِّدة. ستون سنة ونحن نعفيكم مِنَ الديمقراطية في سبيل الحفاظ على الاستقرار، فكانت النتيجة أنْ غابت الديمقراطية ولم يحضر الاستقرار. الخوف مِنْ عواقب الحرِّية ما عاد مبرِّرًا لرفض الحريِّة. تزعمون أنَّ الديمقراطية تقود إلى الفوضى والصراع والإرهاب. هذا زعم كاذب، ففي الديمقراطية والحرِّية نملك قوَّة التغلُّب على الكراهية والانقسام والعنف. تتهموننا بالسعي إلى فرض الديمقراطية. اتِّهامكم باطل، فالطغيان وليس الديمقراطية هو الذي يمكن فرضه فرضًا مِنَ الخارج. لن نفرض عليكم الديمقراطية، ولن نعاقبكم إذا لم تسيروا في طريق الديمقراطية، فنحن جئنا لنقول لشعوبكم سيروا في طريق الديمقراطية ونحن مِنْ ورائكم، ندعمكم ونؤيِّدكم!
هذا هو "بيان الديمقراطية" كما تلته رايس على مسامعنا ومسامعهم؛ لكنَّ رايس لم تُجِبْنا عن السؤال الذي أثارته هي وهو: "مَنْ ذا الذي فَرَضَ علينا هذا الطغيان؟"!
"بَعْد" ثورة الـ25 من يناير، التي فجَّرها شبابٌ مناوئون لنظام حكم مبارك الدكتاتوري، ومنحازون إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ولا يَنْتَمون، في غالبيتهم، فكرًا وشعورًا، إلى "الإسلام السياسي"؛ ومن رَحْم هذا "الموات (أو التصحُّر) السياسي والحزبي والديمقراطي" الموروث من عهد مبارك، جاءت الانتخابات البرلمانية المصرية التي لا ريب في ديمقراطيتها ونزاهتها وشفافيتها، وفي "شعبيتها"؛ فإنَّ 62 في المئة من الناخبين أدلوا بأصواتهم.
وكانت النتيجة، التي أتوقَّع ألاَّ تختلف كثيرًا عن "النتيجة الانتخابية النهائية"، حصول حزب "الحرية والعدالة" المنبثق من جماعة "الإخوان المسلمين" على نحو 40 في المئة من الأصوات، وحصول حزب "النور (السلفي)" على 20 في المئة من الأصوات، أيْ أنَّ ممثِّلي "الإسلام السياسي" سيحصلون على ما لا يقل عن 60 في المئة من مقاعد "مجلس الشعب" الجديد.
والتاريخ دَوَّن حتى الآن ثلاث حقائق هي: شباب "الفيسبوك"، وفي مقدمهم شباب "حركة 6 إبريل"، فجَّروا الثورة؛ "المجلس العسكري الأعلى" حسم الأمر إذ خَلَع مبارك؛ "الإسلام السياسي"، أيْ جماعة "الإخوان المسلمين" وحزب "النور" السلفي، فاز بغالبية المقاعد البرلمانية من طريق انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة.
لقد ذهب الناخب المصري إلى صندوق الاقتراع وليس لديه من "الخيار (الانتخابي ـ السياسي)" إلاَّ أسهله وأيسره وأوضحه؛ وكأنَّ عهد مبارك، الذي فيه، وبه، تصحَّرت الحياة السياسية الحزبية، كان هو "الناخِب الأكبر"، أو "سيِّد الناخبين"!
وأحسب أنَّ الانتخابات البرلمانية المصرية تَصْلُح دليلًا على أمْرين متناقضين هما: ديمقراطية هذه الانتخابات، فهي كانت حقًَّا انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة؛ و"انتفاء الديمقراطية" في الوقت نفسه؛ فَقُلْ لي كم عدد الديمقراطيين في مصر حتى أُبيِّن لكَ درجة أو منسوب الديمقراطية في حياتها السياسية.
بقي أنْ أحيطكم عِلْمًا بالقول الأهم في أمْر هذه الانتخابات، ألا وهو قول الولايات المتحدة؛ فلقد قال المتحدِّث باسم وزارة خارجيتها مارك تورنر: "من المبكر الحديث عن هوية من سيحكم مصر؛ المهم ليس من يفوز في الانتخابات، بل من سيحكم البلاد"؛ فهل فَهِمْتُم أم استغلق عليكم الفهم؟!
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
عهد مبارك إنَّما كان عهد "الصديق اللدود" للإسلاميين كافة، ولجماعة "الإخوان المسلمين" على وجه الخصوص؛ فهو حاربهم بما يَحُول بينهم وبين هيمنتهم على "مجلس الشعب" الذي أراد له دائمًا أنْ يكون خاضعًا للسيطرة شبه المُطْلَقَة لحزبه بطرائق ووسائل شتَّى، في مقدمها التزوير الانتخابي؛ وسعى، في الوقت نفسه، إلى تمكينهم من إظهار شيء من قوَّتهم الشعبية والسياسية والانتخابية؛ لكن بما يفي بغرضه هو، ألا وهو إلقاء الخوف والذُّعر في قلوب المناوئين للإسلاميين في الغرب، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وفي داخل مصر، وبين أبناء الأقلية المسيحية (10 في المئة من المصريين) على وجه الخصوص، والذين يتطيَّرون من رؤية الإسلاميين يسيطرون على الحكم. إنَّه، أي عهد مبارك، بشيء من الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية مكَّن جماعة "الإخوان المسلمين" من أنْ تكون الأقلية الكبرى برلمانيًّا، وبكثيرٍ من التزوير مكَّن حزبه من إحكام سيطرته على "مجلس الشعب".
ولقد عَرَف عهد مبارك كيف يدير الحياة السياسية الحزبية المصرية، ويتحكَّم فيها، بما يجعلها أقرب إلى الموات السياسي منها إلى الحياة السياسية؛ فلمَّا انقضى وانتهى، بثورة الـ25 من يناير، ظَهَرَت الحياة السياسية المصرية بموازينها وقواها الحقيقية (الإسلاميون وفي مقدمهم جماعة "الإخوان المسلمين"، والمؤسَّسة العسكرية المصرية، وشباب الثورة الذين كانوا لها "الصَّاعِق"، لا يملكون من أهلية القيادة السياسية الحزبية إلاَّ نزرًا).
في مصر، سيَحْكمون، ومن طريق حكومة، تنبثق من برلمان، لهم في مقاعده حُصَّة الأسد؛ وقد يهبهم "المجلس العسكري" الحاكم (فعلًا) الآن، والذي سيظلُّ مُحْتَفِظًا للمؤسسة العسكرية بكثيرٍ من نفوذها السياسي حتى في "اليوم التالي"، مزيدًا من السلطة، من طريق نَقْلِه ("دستوريًّا") بعضًا من سلطات وصلاحيات رئيس الدولة إلى "الحكومة (الإسلامية) الجديدة".
وإنِّي لأشبِّه هذه التجربة (للإسلاميين في الحكم) بتجربة ابن القرية الذي جاء إلى المدينة ليعمل فيها ويعيش، مُحْتَفِظًا، في رأسه وقلبه وسلوكه، بمفاهيم وثقافة وشعور وعادات وتقاليد ابن القرية، فأدرك، في الصراع، وبالصراع، أنَّ ضرورات الحياة الجديدة في المدينة تُلْزِمه، وتَفْرِض عليه، أنْ يتغيَّر، فكرًا وشعورًا، بما يوافِق واقع حياته الجديدة؛ فإنَّ الحماقة بعينها أنْ يحاوِل تغيير هذا الواقع بما يوافِق موروثه الفكري والثقافي.
وأذْكُر رايس إذ جاءت إلى مصر (في عهد مبارك) محاضِرَةً في أصول الديمقراطية، فخاطبت الرؤساء العرب المذعورين قائلةً، أو موبِّخةً، إنَّ الولايات المتحدة لن تستمع إلى حُججكم، أو تقبلها، بعد اليوم. كُفُّوا عن تخويفنا مِنْ عواقب الإصلاح الديمقراطي الجذري. كُفُّوا عن محاولة إقناعنا بأنَّ هذا الإصلاح سيُسقط الحُكم في أيدي قوى إسلامية وقومية متشدِّدة. ستون سنة ونحن نعفيكم مِنَ الديمقراطية في سبيل الحفاظ على الاستقرار، فكانت النتيجة أنْ غابت الديمقراطية ولم يحضر الاستقرار. الخوف مِنْ عواقب الحرِّية ما عاد مبرِّرًا لرفض الحريِّة. تزعمون أنَّ الديمقراطية تقود إلى الفوضى والصراع والإرهاب. هذا زعم كاذب، ففي الديمقراطية والحرِّية نملك قوَّة التغلُّب على الكراهية والانقسام والعنف. تتهموننا بالسعي إلى فرض الديمقراطية. اتِّهامكم باطل، فالطغيان وليس الديمقراطية هو الذي يمكن فرضه فرضًا مِنَ الخارج. لن نفرض عليكم الديمقراطية، ولن نعاقبكم إذا لم تسيروا في طريق الديمقراطية، فنحن جئنا لنقول لشعوبكم سيروا في طريق الديمقراطية ونحن مِنْ ورائكم، ندعمكم ونؤيِّدكم!
هذا هو "بيان الديمقراطية" كما تلته رايس على مسامعنا ومسامعهم؛ لكنَّ رايس لم تُجِبْنا عن السؤال الذي أثارته هي وهو: "مَنْ ذا الذي فَرَضَ علينا هذا الطغيان؟"!
"بَعْد" ثورة الـ25 من يناير، التي فجَّرها شبابٌ مناوئون لنظام حكم مبارك الدكتاتوري، ومنحازون إلى الدولة المدنية الديمقراطية، ولا يَنْتَمون، في غالبيتهم، فكرًا وشعورًا، إلى "الإسلام السياسي"؛ ومن رَحْم هذا "الموات (أو التصحُّر) السياسي والحزبي والديمقراطي" الموروث من عهد مبارك، جاءت الانتخابات البرلمانية المصرية التي لا ريب في ديمقراطيتها ونزاهتها وشفافيتها، وفي "شعبيتها"؛ فإنَّ 62 في المئة من الناخبين أدلوا بأصواتهم.
وكانت النتيجة، التي أتوقَّع ألاَّ تختلف كثيرًا عن "النتيجة الانتخابية النهائية"، حصول حزب "الحرية والعدالة" المنبثق من جماعة "الإخوان المسلمين" على نحو 40 في المئة من الأصوات، وحصول حزب "النور (السلفي)" على 20 في المئة من الأصوات، أيْ أنَّ ممثِّلي "الإسلام السياسي" سيحصلون على ما لا يقل عن 60 في المئة من مقاعد "مجلس الشعب" الجديد.
والتاريخ دَوَّن حتى الآن ثلاث حقائق هي: شباب "الفيسبوك"، وفي مقدمهم شباب "حركة 6 إبريل"، فجَّروا الثورة؛ "المجلس العسكري الأعلى" حسم الأمر إذ خَلَع مبارك؛ "الإسلام السياسي"، أيْ جماعة "الإخوان المسلمين" وحزب "النور" السلفي، فاز بغالبية المقاعد البرلمانية من طريق انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة.
لقد ذهب الناخب المصري إلى صندوق الاقتراع وليس لديه من "الخيار (الانتخابي ـ السياسي)" إلاَّ أسهله وأيسره وأوضحه؛ وكأنَّ عهد مبارك، الذي فيه، وبه، تصحَّرت الحياة السياسية الحزبية، كان هو "الناخِب الأكبر"، أو "سيِّد الناخبين"!
وأحسب أنَّ الانتخابات البرلمانية المصرية تَصْلُح دليلًا على أمْرين متناقضين هما: ديمقراطية هذه الانتخابات، فهي كانت حقًَّا انتخابات حُرَّة ديمقراطية نزيهة شفَّافة؛ و"انتفاء الديمقراطية" في الوقت نفسه؛ فَقُلْ لي كم عدد الديمقراطيين في مصر حتى أُبيِّن لكَ درجة أو منسوب الديمقراطية في حياتها السياسية.
بقي أنْ أحيطكم عِلْمًا بالقول الأهم في أمْر هذه الانتخابات، ألا وهو قول الولايات المتحدة؛ فلقد قال المتحدِّث باسم وزارة خارجيتها مارك تورنر: "من المبكر الحديث عن هوية من سيحكم مصر؛ المهم ليس من يفوز في الانتخابات، بل من سيحكم البلاد"؛ فهل فَهِمْتُم أم استغلق عليكم الفهم؟!
جواد البشيتي*
*كاتب فلسطيني ـ الأردن
خيبة أمل جديدة أصيب بها أهل بغداد بعد قرار حكومي يقضي ببناء سور أمني يطوق عاصمة الرشيد من جهاتها الأربع.
فسور بغداد وصفه الناطق باسم خطة فرض النظام بأنه سيؤمن بغداد من أي اختراق أمني عبر إجراءات غير مسبوقة هدفها منع المسلحين من التسلل إلى العاصمة بغداد كما يعتقد.
وتجربة السنوات التي أعقبت احتلال العراق فإن الجدران العازلة التي قطعت أوصال بغداد المدعومة بآلاف السيطرات ونقاط التفتيش المنتشرة في جميع أنحاء بغداد وضواحيها لم تجلب الأمن والاستقرار لسكان بغداد وهي أيضًا زادت من معاناة أهلها الذين ضاقت بهم السبل بالوصول إلى أعمالهم وأقربائهم بفعل كثافة السيطرات.
إن الغريب في قرار بناء سور بغداد جاء بعد تأكيدات حكومية ومن أعلى المستويات بالتزامن مع جلاء قوات الاحتلال. إن السلطات الأمنية قادرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار بعد الانسحاب وأن خططها المعدة لهذا الغرض بعد رحيل الاحتلال جاهزه وتستند إلى الإمكانات البشرية والفنية.
وإذا كان الاستعداد الأمني بهذا المستوى في ملء الفراغ وتأمين المدن لماذا إذًا جدار أمني حول بغداد وغلق منافذها مع المحافظات؟
بتقديرنا أن بناء السور الأمني حول بغداد يتناقض تمامًا مع تصريحات المسؤولين الأمنيين بجاهزيتها لملء الفراغ وتأمين المدن وأيضا يثير الشكوك حول أهداف هذا السور، لأنه جاء في وقت يتطلع فيه العراقيون إلى نفض غبار الاحتلال ومخلفاته على الأرض خصوصا الإجراءات التحسبية على مدى السنوات الماضية التي لم تحقق الأمن لجنوده. وقبل ذلك للعراقيين.
فالعراقيون وخاصة سكان بغداد يتطلعون إلى إنجاز رفع الحواجز التي قطعت أوصال عاصمتهم وليس إلى انكفائهم وتسوير مدينتهم بأسوار ربما أكثر إيذاءً من الجدران العازلة.
فالوضع الذي سيخلفه بناء سور بغداد ستكون مردوداته عكسية ولا يلبي طموحات السلطات بتأمين الأمن واستقرار الأوضاع لأن تحقيق هذه الأهداف يكمن في إجراءات تصالحية تطوي صفحة الماضي وتفتح الطريق لكل العراقيين ببناء بلدهم، والإقلاع عن إجراءات أحادية الجانب تستند إلى الهواجس الأمنية، هي بالأحوال كافة لا تساعد على بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد ولا تساعد على تحقيق مشروع المصالحة الوطنية.
واستنادًا إلى ما تقدم فإن بناء سور بغداد سيزيد من معاناة أهل بغداد، ولم يوفر لهم الأمن المفقود خصوصًا وأن منظمة عالمية صنفت عاصمة الرشيد بأنها أسوأ مدينة بالعالم من حيث توفير الأمن والمعيشة والخدمات.
المطلوب من المتحمسين لتطويق بغداد بسور أمني أن يعيدوا بناء بغداد ويوفروا الكهرباء والماء الصالح للشرب وفرص للباحثين عن العمل، وتقديم الرعاية الصحية وبناء المدارس والمستشفيات، وقبل ذلك اجتثاث المفسدين وسراق المال العام، ويعيدوا انفتاح بغداد على محيطها المحلي والعربي لا إلى غلق منافذها بأسوار مذلة وغير مجدية.. هل يفعلون؟
أحمد صبري*
*كاتب عراقي
A_ahmed@yahoo.com
فسور بغداد وصفه الناطق باسم خطة فرض النظام بأنه سيؤمن بغداد من أي اختراق أمني عبر إجراءات غير مسبوقة هدفها منع المسلحين من التسلل إلى العاصمة بغداد كما يعتقد.
وتجربة السنوات التي أعقبت احتلال العراق فإن الجدران العازلة التي قطعت أوصال بغداد المدعومة بآلاف السيطرات ونقاط التفتيش المنتشرة في جميع أنحاء بغداد وضواحيها لم تجلب الأمن والاستقرار لسكان بغداد وهي أيضًا زادت من معاناة أهلها الذين ضاقت بهم السبل بالوصول إلى أعمالهم وأقربائهم بفعل كثافة السيطرات.
إن الغريب في قرار بناء سور بغداد جاء بعد تأكيدات حكومية ومن أعلى المستويات بالتزامن مع جلاء قوات الاحتلال. إن السلطات الأمنية قادرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار بعد الانسحاب وأن خططها المعدة لهذا الغرض بعد رحيل الاحتلال جاهزه وتستند إلى الإمكانات البشرية والفنية.
وإذا كان الاستعداد الأمني بهذا المستوى في ملء الفراغ وتأمين المدن لماذا إذًا جدار أمني حول بغداد وغلق منافذها مع المحافظات؟
بتقديرنا أن بناء السور الأمني حول بغداد يتناقض تمامًا مع تصريحات المسؤولين الأمنيين بجاهزيتها لملء الفراغ وتأمين المدن وأيضا يثير الشكوك حول أهداف هذا السور، لأنه جاء في وقت يتطلع فيه العراقيون إلى نفض غبار الاحتلال ومخلفاته على الأرض خصوصا الإجراءات التحسبية على مدى السنوات الماضية التي لم تحقق الأمن لجنوده. وقبل ذلك للعراقيين.
فالعراقيون وخاصة سكان بغداد يتطلعون إلى إنجاز رفع الحواجز التي قطعت أوصال عاصمتهم وليس إلى انكفائهم وتسوير مدينتهم بأسوار ربما أكثر إيذاءً من الجدران العازلة.
فالوضع الذي سيخلفه بناء سور بغداد ستكون مردوداته عكسية ولا يلبي طموحات السلطات بتأمين الأمن واستقرار الأوضاع لأن تحقيق هذه الأهداف يكمن في إجراءات تصالحية تطوي صفحة الماضي وتفتح الطريق لكل العراقيين ببناء بلدهم، والإقلاع عن إجراءات أحادية الجانب تستند إلى الهواجس الأمنية، هي بالأحوال كافة لا تساعد على بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد ولا تساعد على تحقيق مشروع المصالحة الوطنية.
واستنادًا إلى ما تقدم فإن بناء سور بغداد سيزيد من معاناة أهل بغداد، ولم يوفر لهم الأمن المفقود خصوصًا وأن منظمة عالمية صنفت عاصمة الرشيد بأنها أسوأ مدينة بالعالم من حيث توفير الأمن والمعيشة والخدمات.
المطلوب من المتحمسين لتطويق بغداد بسور أمني أن يعيدوا بناء بغداد ويوفروا الكهرباء والماء الصالح للشرب وفرص للباحثين عن العمل، وتقديم الرعاية الصحية وبناء المدارس والمستشفيات، وقبل ذلك اجتثاث المفسدين وسراق المال العام، ويعيدوا انفتاح بغداد على محيطها المحلي والعربي لا إلى غلق منافذها بأسوار مذلة وغير مجدية.. هل يفعلون؟
أحمد صبري*
*كاتب عراقي
A_ahmed@yahoo.com
خلاف محتدم بين اليهود الأميركيين ودولتهم الصهيونية, فوزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية قامت بحملة دعائية في الولايات المتحدة, هدفها تشجيع الإسرائيليين المهاجرين إلى أميركا على العودة إلى إسرائيل، إضافة إلى حثها لهؤلاء على عدم الزواج من أميركيين! أما كيف تمت الحملة الدعائية؟ فقد جرت عن طريق نشر أشرطة فيديو وتثبيت ملصقات في الطرق وإعلانات في الصحف في الأماكن التي تتواجد فيها الأكثرية من هؤلاء. الملصقات والإعلانات تضمنت عبارات مثل "عد قبل أن يتحول عيد الأنوار(العبري) إلى عيد ميلاد (مسيحي) آن الأوان لتعد إلى إسرائيل"، وأيضًا مثل "عد قبل أن يتحول بابا إلى دادي (والد بالإنجليزية) عد إلى إسرائيل قبل فوات الأوان". والكثير الكثير من العبارات الشبيهة الأخرى.
اليهود الأميركيون ومنظماتهم الصهيونية اعتبروا أن هذه المضامين الدعائية تعني: أن اليهود الأميركيين الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل يفتقرون إلى التمسك بالديانة, وأنهم مهددون بالاندماج في مجتمعهم والتخلي عن اليهودية، وقد بلغت احتجاجاتهم مدى عاليًا. فقد أرسلت الاتحادات اليهودية والصهيونية في أميركا رسائل احتجاج إلى الوزارة الإسرائيلية معتبرةً: أن "الرسالة التي تفيد أن اليهود الأميركيين لا يفهمون إسرائيل، هي مسألة مثيرة للسخرية ومشينة". وكتبت المجموعة التي تمثل 157 اتحادًا يهوديًّا وأكثر من 300 مجموعة "نخشى أن تترك هذه الحملة أثرًا عكسيًّا على إسرائيل فبدلًا من إعادة الإسرائيليين لها ستبعد يهود الشتات أكثر عنها". الحكومة الإسرائيلية وعلى ضوء هذه الاحتجاجات اتخذت قرارًا بإيقاف الحملة.
هذه الحملة الدعائية فكما أنها عنصرية تجاه اليهود المهاجرين من إسرائيل إلى أميركا, فهي عنصرية أيضًا تجاه الأميركيين غير اليهود وتجاه أعيادهم الدينية وتجاه لغتهم وحضارتهم، وهي تعبير عن نظرة استعلائية فوقية عنصرية ترى اليهودي في منزلة أرفع من كل البشر الآخرين، الذين لا يجوز الزواج من بناتهم ونسائهم لأن ذلك يضر بالمصلحة اليهودية، فوفقًا لآراء الحاخامات فإن اليهود هم أبناء الأم اليهودية حتى لو كان الزوج غير يهودي. لذلك فإن الحملة تدعو إلى عدم الزواج من غير اليهوديات (أي الأميركيات). لذلك فإن الصهيونية وإسرائيل هما ضد الزواج المختلط، وتصدر الحركة الصهيونية بالتعاون مع الدولة الإسرائيلية تقارير سنوية تتحدث عن الوضع الديموغرافي لليهود في بلدانهم، وقد بينت هذه التقارير في السنوات الأخيرة وفقًا (لهآرتس): تراجعًا في أعداد اليهود في العالم باستثناء إسرائيل. لقد تم بحث هذه القضية في العديد من مؤتمرات هرتزيليا الاستراتيجية الطابع، وفيها صدرت التوجيهات بالعمل على تكثيف الهجرة اليهودية إلى إسرائيل, ومحاولة إعادة المهاجرين منها، وبناء على توصياتها كانت هناك دعوات لعدم الزواج المختلط، فوفقًا للإحصائيات الإسرائيلية تبلغ نسبة الزواج المختلط (بين اليهود وغيرهم) في روسيا الاتحادية والجمهوريات من حولها حوالي 70%, في والولايات المتحدة الأميركية 50%, وهذه نسبة تقريبية تنطبق على كافة الدول التي يتواجد فيها اليهود.
من ناحية أخرى فوفقًا للإحصائيات الإسرائيلية أيضًا (وكما ذكرتها هآرتس), فقد تراجعت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل إلى أدنى مستوياتها، ووصلت من الناحية العددية إلى ما كانت عليه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الزمني الماضي، ففي السنوات الخمس الأخيرة تراجعت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل إلى أدنى مستوياتها, فقد تراوح عدد المهاجرين سنويًّا ما بين 13500ـ16000 ألف شخص، ولكن في المقابل فإنه وحسب الإحصائيات أيضًا فإن عدد المهاجرين سنويًّا من إسرائيل يبلغ ما بين 10ـ12 ألفًا, وهذا بعد خصم الذين عادوا إلى إسرائيل بعد سنوات.
وهكذا يتبين أن (جنة الله الموعودة) و(أرض السمن والعسل) التي تعد بها الحركة الصهيونية, يهود العالم, في محاولة لتشجيع الهجرة إلى إسرائيل، تحولت إلى أكبر قوة طاردة في العالم للمهاجرين منها، إذ يفاجأ المهاجر بالتفرقة العنصرية (المصاحبة لوجود هذه الدولة) القائمة فيها، فما بين اليهود الشرقيين والغربيين والفلاشا توجد مسافات واسعة، كذلك التفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد العرب فيها، إضافة إلى البطالة وغلاء المساكن، وممارسة فعل الاحتلال وعسكرة المجتمع......هذا رغم المحفزات المالية الهائلة والمغريات الكثيرة والكبيرة التي تقدمها إسرائيل إلى المهاجرين الجدد إليها. إسرائيل التي تدعي (الديموقراطية) تضع عقبات مالية وأخرى اجتماعية أمام من يرغبون بالهجرة منها، فمثلًا لا تجوز الهجرة إلا بعد خمس سنوات يقضيها المهاجر في إسرائيل, كذلك يتوجب عليه دفع كافة التسهيلات المالية التي قدمتها الدولة إليه, رغم ذلك يفضل الكثيرون الهجرة منها.
صحيح أن العنصرية مثل النار إذا لم تجد ما تأكله، تأكل نفسها, لذلك فهي هذه المرّة تمارس ضد اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة, وضد الأميركيين بشكل عام.
د. فايز رشيد*
*كاتب فلسطيني
اليهود الأميركيون ومنظماتهم الصهيونية اعتبروا أن هذه المضامين الدعائية تعني: أن اليهود الأميركيين الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل يفتقرون إلى التمسك بالديانة, وأنهم مهددون بالاندماج في مجتمعهم والتخلي عن اليهودية، وقد بلغت احتجاجاتهم مدى عاليًا. فقد أرسلت الاتحادات اليهودية والصهيونية في أميركا رسائل احتجاج إلى الوزارة الإسرائيلية معتبرةً: أن "الرسالة التي تفيد أن اليهود الأميركيين لا يفهمون إسرائيل، هي مسألة مثيرة للسخرية ومشينة". وكتبت المجموعة التي تمثل 157 اتحادًا يهوديًّا وأكثر من 300 مجموعة "نخشى أن تترك هذه الحملة أثرًا عكسيًّا على إسرائيل فبدلًا من إعادة الإسرائيليين لها ستبعد يهود الشتات أكثر عنها". الحكومة الإسرائيلية وعلى ضوء هذه الاحتجاجات اتخذت قرارًا بإيقاف الحملة.
هذه الحملة الدعائية فكما أنها عنصرية تجاه اليهود المهاجرين من إسرائيل إلى أميركا, فهي عنصرية أيضًا تجاه الأميركيين غير اليهود وتجاه أعيادهم الدينية وتجاه لغتهم وحضارتهم، وهي تعبير عن نظرة استعلائية فوقية عنصرية ترى اليهودي في منزلة أرفع من كل البشر الآخرين، الذين لا يجوز الزواج من بناتهم ونسائهم لأن ذلك يضر بالمصلحة اليهودية، فوفقًا لآراء الحاخامات فإن اليهود هم أبناء الأم اليهودية حتى لو كان الزوج غير يهودي. لذلك فإن الحملة تدعو إلى عدم الزواج من غير اليهوديات (أي الأميركيات). لذلك فإن الصهيونية وإسرائيل هما ضد الزواج المختلط، وتصدر الحركة الصهيونية بالتعاون مع الدولة الإسرائيلية تقارير سنوية تتحدث عن الوضع الديموغرافي لليهود في بلدانهم، وقد بينت هذه التقارير في السنوات الأخيرة وفقًا (لهآرتس): تراجعًا في أعداد اليهود في العالم باستثناء إسرائيل. لقد تم بحث هذه القضية في العديد من مؤتمرات هرتزيليا الاستراتيجية الطابع، وفيها صدرت التوجيهات بالعمل على تكثيف الهجرة اليهودية إلى إسرائيل, ومحاولة إعادة المهاجرين منها، وبناء على توصياتها كانت هناك دعوات لعدم الزواج المختلط، فوفقًا للإحصائيات الإسرائيلية تبلغ نسبة الزواج المختلط (بين اليهود وغيرهم) في روسيا الاتحادية والجمهوريات من حولها حوالي 70%, في والولايات المتحدة الأميركية 50%, وهذه نسبة تقريبية تنطبق على كافة الدول التي يتواجد فيها اليهود.
من ناحية أخرى فوفقًا للإحصائيات الإسرائيلية أيضًا (وكما ذكرتها هآرتس), فقد تراجعت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل إلى أدنى مستوياتها، ووصلت من الناحية العددية إلى ما كانت عليه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الزمني الماضي، ففي السنوات الخمس الأخيرة تراجعت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل إلى أدنى مستوياتها, فقد تراوح عدد المهاجرين سنويًّا ما بين 13500ـ16000 ألف شخص، ولكن في المقابل فإنه وحسب الإحصائيات أيضًا فإن عدد المهاجرين سنويًّا من إسرائيل يبلغ ما بين 10ـ12 ألفًا, وهذا بعد خصم الذين عادوا إلى إسرائيل بعد سنوات.
وهكذا يتبين أن (جنة الله الموعودة) و(أرض السمن والعسل) التي تعد بها الحركة الصهيونية, يهود العالم, في محاولة لتشجيع الهجرة إلى إسرائيل، تحولت إلى أكبر قوة طاردة في العالم للمهاجرين منها، إذ يفاجأ المهاجر بالتفرقة العنصرية (المصاحبة لوجود هذه الدولة) القائمة فيها، فما بين اليهود الشرقيين والغربيين والفلاشا توجد مسافات واسعة، كذلك التفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد العرب فيها، إضافة إلى البطالة وغلاء المساكن، وممارسة فعل الاحتلال وعسكرة المجتمع......هذا رغم المحفزات المالية الهائلة والمغريات الكثيرة والكبيرة التي تقدمها إسرائيل إلى المهاجرين الجدد إليها. إسرائيل التي تدعي (الديموقراطية) تضع عقبات مالية وأخرى اجتماعية أمام من يرغبون بالهجرة منها، فمثلًا لا تجوز الهجرة إلا بعد خمس سنوات يقضيها المهاجر في إسرائيل, كذلك يتوجب عليه دفع كافة التسهيلات المالية التي قدمتها الدولة إليه, رغم ذلك يفضل الكثيرون الهجرة منها.
صحيح أن العنصرية مثل النار إذا لم تجد ما تأكله، تأكل نفسها, لذلك فهي هذه المرّة تمارس ضد اليهود المهاجرين إلى الولايات المتحدة, وضد الأميركيين بشكل عام.
د. فايز رشيد*
*كاتب فلسطيني
إن العديد يقولون إن العقيد معمر القذافي نال ما يستحقه فمن يعش بالسيف يمت بالسيف.
لقد سمح الطاغية الليبي وبكل سرور بتعذيب أو قتل معارضيه أو أي شخص قام بإزعاجه. لذا فيبدو أن من العدل أن يموت عن طريق العنف خارج نطاق القضاء، فبعد أن تمت مطاردته تم العثور عليه في أنبوب تصريف قذر حيث تم عرضه لاحقا لذلك كجائزة مخضبة بالدماء قبل أن يتم ضربه وإطلاق الرصاص عليه من قبل الغوغاء الذين كانوا يريدون إعدامه. لقد حصل كل ذلك في مسقط رأسه في سرت. إن هذه عداله بدائية ولكن ما هي الطريقة الأخرى التي يجب أن نستخدمها من أجل تطبيق العدالة على من قام بالقتل الجماعي؟
لكن هناك شيئا مزعجا للغاية فيما يتعلق بأي عملية إعدام خارج نطاق القانون بغض النظر عن الضحية وحتى عندما كانت الجماهير المبتهجة في سرت وطرابلس تحتفل بموت الدكتاتور كانت الشكوك تساور آخرين بسبب الأسلوب الذي تمت به نهايته المذلة. لقد كتب المفكر الفرنسي الشعبي بيرنارد ـ هنري ليفي والذي قام بالترويج للثورة الليبية بجرعة قوية من حب الظهور النرجسي أن إعدام القذافي "قد أساء إلى البعد الأخلاقي الأساسي" لثورة الشعب.
إن من الممكن أن يجادل المرء فيما يتعلق بهذا الوصف، ففي كل الثورات العنيفة فإن البعد الأخلاقي لمعارضي الدكتاتور لم يكن دائما بدون عيوب. إن الثوار والذين حولوا مسقط رأس القذافي إلى ركام كانوا في بعض الحالات أشخاصا متوحشين وقساة مثلهم في ذلك مثل الرجال الذين كانوا يحاربونهم.
لكن هناك شيئا آخر خاطئا في نقد ليفي. أن الحديث عن الإساءة إلى البعد الأخلاقي يعني أنه لم يفهم مغزى الموضوع، فالمشكلة في العدالة البدائية والتي تأتي على شكل انتقامي ليس أنها غير أخلاقيةـ فالعديدون منا يتفهمون المبدأ المذكور في العهد القديم "العين بالعين والسن بالسن". نحن نريد الأشخاص الذين جعلوا الآخرين يعانون أن يعانوا أيضا حيث يفضل أن تكون تلك المعاناة بنفس المقدار، فالعدالة دائما تقريبا تنطوي على عنصر الانتقام.
إن المشكلة في الانتقام أنه يؤدي إلى مزيد من الانتقام؛ أي أنه يحرك دورة العنف والعنف المضاد ـ ثقافة الثأر والثأر بحد ذاته هو عمل ينطوي على انعدام القانون أكثر من كونه عملا غير أخلاقي أو حتى غير عادل. إن الثأر ينتعش في مجتمعات غير ملتزمة بالقوانين التي تنطبق بشكل متساوي على الجميع أو بأية قوانين رسمية على الإطلاق. إن ناموس الشرف ليست مثل حكم القانون، فبينما ليس بالضرورة أن يرضي حكم القانون حس العدالة عند شخص ما فهو يوقف دورة الانتقام العنيف.
لقد فهم اليونانيون القدماء ذلك جيدا. إن أعظم مسرحية عن التوتر بين القانون والعدالة هي مسرحية اسكليوس "ذا يومنيديس" وهي قصة عن الجريمة والانتقام حيث تمثل آلهة العقاب العدالة، فهي تدفع الناس إلى الثأر ممن ارتكبوا الأعمال الرهيبة حيث تقول: "نحن ندعي أننا نمثل العدالة الحقة .... المنتقمون لسفك الدماء ودائما نحن نتبعهم ونطاردهم حتى النهاية" وعليه تقوم آلهة العقاب بمساعدة اورستيس بالانتقام من والدته كلايتامنيسترا لقتلها والده اجاميمنون حيث قتلها اورستيس مما يعني أنه استمر في دوامة العنف.
إن أثينا آلهة الحكمة وراعية أثينا تقرر أن فقط المحاكمة العادلة مع هيئة محلفين تتكون من 12 رجلا يمكن أن ترضي آلهة العقاب وتعيد السلام، ولكن من النادر أن تصل تلك المحاكمات لدرجة الكمال، وفي تلك القضية كانت هيئة المحلفين منقسمة بالتساوي مما أجبر أثينا على أن تنطق بالحكم وهو تبرئة اورستيس. إن من الممكن أن هذا لم يحقق العدالة البدائية التي طالبت بها آلهة العقاب ولكنها أسست لحكم القانون والذي جعل أثينا متحضرة.
إن من المؤكد أن الديمقراطية في أثينا لم تكن تشبه كثيرا الديمقراطيات الحديثة لدينا، كما أن أثينا القديمة لم تكن تشبه أيضا طرابلس اليوم، وبالرغم من ذلك فإن مسرحية ذا يومنيديس تعطينا درسا مهما لا يزال قائما وهو أن العنف ما لم يتم ردعه من قبل القانون لن ينتهي. إن الثورات التي تولد بعد سفك الدماء تقريبا دائما ما تؤدي إلى المزيد من سفك الدماء. لقد كان هذا الكلام صحيحا قبل 2500 سنة ولا يزال صحيحا اليوم.
إن هناك قلة من الناس قد فهمت ذلك أفضل من الناشط الديمقراطي والمفكر البولندي آدم ميشنيك وهو أحد الأبطال الذي ساعد في الثمانينيات في إنهاء الدكتاتورية الشيوعية في بلاده، فبينما طالب بولنديون آخرون بعدالة بدائية انتقامية ضد الحكام الشيوعيين والمتواطئين معهم، دعم ميشنيك المفاوضات والحلول الوسط والمصالحة وحتى مع من كانوا يقومون بالقمع.
يعترف ميشنيك أن جميع الثورات تعتبر غير مكتملة بسبب أنه لا يعاقب جميع المذنبين ولا يكافئ جميع الأشخاص الشرفاء، ولكن يقول ميشنيك إن هذه النتيجة تعني المزيد من العنف: "إن التعويض عن الأذى الذي تم التعرض له عادة ما يؤدي إلى المزيد من الأذى وعادة ما يكون ذلك أقسى من ما أتى قبله".
ولهذا السبب فإن حفلة إعدام القذافي خارج نطاق القانون هي نذير شؤم لليبيا ولقد كان من الأفضل كثيرا لو تم تسليمه حيا من أجل الحكم عليه في المحكمة. إن إجراء محاكمة جزائية في ليبيا كان يمكن أن تكون عملية صعبة. إن حقيقة أن هناك دكتاتورية دامت لمدة 42 سنة لا توفر تربة خصبة للخبرة والتجربة الضرورية من أجل إجراء محاكمة محايدة وربما كان من المستحيل على ضحايا الدكتاتور السابق الحكم عليه بدون تحيز ولهذا السبب بالضبط تم تأسيس محكمة العدل الدولية في لاهاي.
ربما لم تكن محاكمة القذافي لترضي الليبيين وشعورهم بالظلم ولكن كان يمكن أن تساعد على جعل الليبيين يشعرون باحترام أكبر لحكم القانون، وربما سيكون لمحاكمة ابن القذافي سيف الإسلام هذا التأثير، ولو صح ذلك فإن محاكمته في لاهاي سوف يكون أفضل خدمة يقدمها لبلاده.
لقد سمح الطاغية الليبي وبكل سرور بتعذيب أو قتل معارضيه أو أي شخص قام بإزعاجه. لذا فيبدو أن من العدل أن يموت عن طريق العنف خارج نطاق القضاء، فبعد أن تمت مطاردته تم العثور عليه في أنبوب تصريف قذر حيث تم عرضه لاحقا لذلك كجائزة مخضبة بالدماء قبل أن يتم ضربه وإطلاق الرصاص عليه من قبل الغوغاء الذين كانوا يريدون إعدامه. لقد حصل كل ذلك في مسقط رأسه في سرت. إن هذه عداله بدائية ولكن ما هي الطريقة الأخرى التي يجب أن نستخدمها من أجل تطبيق العدالة على من قام بالقتل الجماعي؟
لكن هناك شيئا مزعجا للغاية فيما يتعلق بأي عملية إعدام خارج نطاق القانون بغض النظر عن الضحية وحتى عندما كانت الجماهير المبتهجة في سرت وطرابلس تحتفل بموت الدكتاتور كانت الشكوك تساور آخرين بسبب الأسلوب الذي تمت به نهايته المذلة. لقد كتب المفكر الفرنسي الشعبي بيرنارد ـ هنري ليفي والذي قام بالترويج للثورة الليبية بجرعة قوية من حب الظهور النرجسي أن إعدام القذافي "قد أساء إلى البعد الأخلاقي الأساسي" لثورة الشعب.
إن من الممكن أن يجادل المرء فيما يتعلق بهذا الوصف، ففي كل الثورات العنيفة فإن البعد الأخلاقي لمعارضي الدكتاتور لم يكن دائما بدون عيوب. إن الثوار والذين حولوا مسقط رأس القذافي إلى ركام كانوا في بعض الحالات أشخاصا متوحشين وقساة مثلهم في ذلك مثل الرجال الذين كانوا يحاربونهم.
لكن هناك شيئا آخر خاطئا في نقد ليفي. أن الحديث عن الإساءة إلى البعد الأخلاقي يعني أنه لم يفهم مغزى الموضوع، فالمشكلة في العدالة البدائية والتي تأتي على شكل انتقامي ليس أنها غير أخلاقيةـ فالعديدون منا يتفهمون المبدأ المذكور في العهد القديم "العين بالعين والسن بالسن". نحن نريد الأشخاص الذين جعلوا الآخرين يعانون أن يعانوا أيضا حيث يفضل أن تكون تلك المعاناة بنفس المقدار، فالعدالة دائما تقريبا تنطوي على عنصر الانتقام.
إن المشكلة في الانتقام أنه يؤدي إلى مزيد من الانتقام؛ أي أنه يحرك دورة العنف والعنف المضاد ـ ثقافة الثأر والثأر بحد ذاته هو عمل ينطوي على انعدام القانون أكثر من كونه عملا غير أخلاقي أو حتى غير عادل. إن الثأر ينتعش في مجتمعات غير ملتزمة بالقوانين التي تنطبق بشكل متساوي على الجميع أو بأية قوانين رسمية على الإطلاق. إن ناموس الشرف ليست مثل حكم القانون، فبينما ليس بالضرورة أن يرضي حكم القانون حس العدالة عند شخص ما فهو يوقف دورة الانتقام العنيف.
لقد فهم اليونانيون القدماء ذلك جيدا. إن أعظم مسرحية عن التوتر بين القانون والعدالة هي مسرحية اسكليوس "ذا يومنيديس" وهي قصة عن الجريمة والانتقام حيث تمثل آلهة العقاب العدالة، فهي تدفع الناس إلى الثأر ممن ارتكبوا الأعمال الرهيبة حيث تقول: "نحن ندعي أننا نمثل العدالة الحقة .... المنتقمون لسفك الدماء ودائما نحن نتبعهم ونطاردهم حتى النهاية" وعليه تقوم آلهة العقاب بمساعدة اورستيس بالانتقام من والدته كلايتامنيسترا لقتلها والده اجاميمنون حيث قتلها اورستيس مما يعني أنه استمر في دوامة العنف.
إن أثينا آلهة الحكمة وراعية أثينا تقرر أن فقط المحاكمة العادلة مع هيئة محلفين تتكون من 12 رجلا يمكن أن ترضي آلهة العقاب وتعيد السلام، ولكن من النادر أن تصل تلك المحاكمات لدرجة الكمال، وفي تلك القضية كانت هيئة المحلفين منقسمة بالتساوي مما أجبر أثينا على أن تنطق بالحكم وهو تبرئة اورستيس. إن من الممكن أن هذا لم يحقق العدالة البدائية التي طالبت بها آلهة العقاب ولكنها أسست لحكم القانون والذي جعل أثينا متحضرة.
إن من المؤكد أن الديمقراطية في أثينا لم تكن تشبه كثيرا الديمقراطيات الحديثة لدينا، كما أن أثينا القديمة لم تكن تشبه أيضا طرابلس اليوم، وبالرغم من ذلك فإن مسرحية ذا يومنيديس تعطينا درسا مهما لا يزال قائما وهو أن العنف ما لم يتم ردعه من قبل القانون لن ينتهي. إن الثورات التي تولد بعد سفك الدماء تقريبا دائما ما تؤدي إلى المزيد من سفك الدماء. لقد كان هذا الكلام صحيحا قبل 2500 سنة ولا يزال صحيحا اليوم.
إن هناك قلة من الناس قد فهمت ذلك أفضل من الناشط الديمقراطي والمفكر البولندي آدم ميشنيك وهو أحد الأبطال الذي ساعد في الثمانينيات في إنهاء الدكتاتورية الشيوعية في بلاده، فبينما طالب بولنديون آخرون بعدالة بدائية انتقامية ضد الحكام الشيوعيين والمتواطئين معهم، دعم ميشنيك المفاوضات والحلول الوسط والمصالحة وحتى مع من كانوا يقومون بالقمع.
يعترف ميشنيك أن جميع الثورات تعتبر غير مكتملة بسبب أنه لا يعاقب جميع المذنبين ولا يكافئ جميع الأشخاص الشرفاء، ولكن يقول ميشنيك إن هذه النتيجة تعني المزيد من العنف: "إن التعويض عن الأذى الذي تم التعرض له عادة ما يؤدي إلى المزيد من الأذى وعادة ما يكون ذلك أقسى من ما أتى قبله".
ولهذا السبب فإن حفلة إعدام القذافي خارج نطاق القانون هي نذير شؤم لليبيا ولقد كان من الأفضل كثيرا لو تم تسليمه حيا من أجل الحكم عليه في المحكمة. إن إجراء محاكمة جزائية في ليبيا كان يمكن أن تكون عملية صعبة. إن حقيقة أن هناك دكتاتورية دامت لمدة 42 سنة لا توفر تربة خصبة للخبرة والتجربة الضرورية من أجل إجراء محاكمة محايدة وربما كان من المستحيل على ضحايا الدكتاتور السابق الحكم عليه بدون تحيز ولهذا السبب بالضبط تم تأسيس محكمة العدل الدولية في لاهاي.
ربما لم تكن محاكمة القذافي لترضي الليبيين وشعورهم بالظلم ولكن كان يمكن أن تساعد على جعل الليبيين يشعرون باحترام أكبر لحكم القانون، وربما سيكون لمحاكمة ابن القذافي سيف الإسلام هذا التأثير، ولو صح ذلك فإن محاكمته في لاهاي سوف يكون أفضل خدمة يقدمها لبلاده.
*إيان بوروما
*أستاذ في الديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد
ومؤلف كتاب ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قارات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق